ست العجم بنت النفيس البغدادية
86
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
والكمال أوجب فانيا وغير فان ، فالفاني لا يدرك الكثرة في حال الفناء وهو العارف الذي هو لا شيء وغير الفاني هو المدرك للكثرة وهو الجاهل ، والجاهل مجوز للإدراك فلو تيقن الجاهل أن العارف فان ، لجوز هذا اليقين . وقوله : ( لو كنت على شيء لقامت النسب الثلاث ) ، فالنسب الثلاث أحدها الدليل العقلي والآخر الوجود في الظاهر والثالث الوجود في الحقيقة فالعارف من حيث كماله يستعلي على الدليل كما ذكرناه ، فهذه نسبة وفناؤه في الظاهر بعرائه عن الاختيار نسبة ثانية واستهلاكه بالحقيقة في الهوية نسبة ثالثة ، فالجاهل قائم بهذه النسب الثلاث لمعتقده في الوجود فيشترط وجود هذه الثلاثة مصطحبة للوجود ، فمتى فني العارف عن الوجود المتكثر وجب عراه عن هذه النسب كما قال ، ومتى لم يصدق عليه انتفت عنه الشيئية ، ومتى تحقق له هذا النفي وجب عراه عن المثل كما ذكرنا . وقوله : ( لو كنت الشيء لكان لي مقابل ولا مقابل لي ) يعنى به أنه متى ثبت الوجود كان العدم مقابله ومتى ثبت الظاهر كان الباطن مقابلا له ، فكأنه قال : لو كنت موجودا لكان لابد لي من مضاد ، وكان يصح وجوب الكثرة ولهذا عرفه باللام يشير به إلى الكثرة المعينة ، لأننا متى قلنا : الوجود كان هذا القول عاميا كليا مقيدا بالوجود ، ولهذا قال : الشيء باللام ، ولم يقل شيئا منكرا أو هذا تأييد فنائه عن الوجود . ( ص ) [ قوله : ( ثم قلت له : وجدت في الأبعاض ولم أوجد فأنا مسمى من غير اسم وموصوف من غير وصف ، ومنعوت بلا نعت وهو كمالي ) ] . ( ش ) أقول : مراده بقوله : ( وجدت في الأبعاض ) يشير إلى أنه موجود على زعم الجاهل في الظاهر فلا يظن به أنه وجد في زمان غير زمان وجوده وإن كان لفظه في الأبعاض يدل على أزمان متعددة ، وذلك أن الأبعاض أشياء متكثرة ويعبر السامع الجاهل بأزمان متكثرة وليس كذلك ، وإنما وجود واحد يختلف عليه الصفات بحسب الظهور ، فإنه من حين قال اللّه تعالى للوجود : كن كان ووجد له ، لكن الوجود في العلم غير ظاهر بالنسبة إلى السابقين الظاهرين ، فيظن السابق الجاهل باللاحق أنه كان موجودا في زمان آخر ، وهذا غلط لأننا نتعقل زمانا واحدا من حين ظهور الأشياء إلى خفائها ، فلفظه : بالأبعاض يريد به مراتب نسبية في الظهور والخفاء ، فإن مرتبة العلم في الوجود يشاركها زماننا هذا في اسمه ، فيقال : هما موجودان وهو وجود واحد لكنه يفتقر إلى صفة ظهور يكمله ، فيلحقه بالظاهر المدرك ، وهذه الصفة صفة خلق لا صفة وجود آخر ولهذا قال :